ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
130
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
كونه لكانت فكرته فيه كافية . ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله : وَنَسِيَ خَلْقَهُ وصرح جوابا له عن مسألته بقوله : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ فاحتج بالإبداء على الإعادة ، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى ، إذ كل عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه ، قدر على هذه ، وأنه لو كان عاجزا عن الثانية عجز عن الأولى ، بل كان أعجز وأعجز . ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه ، وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وموارده وصورته ، وكذلك هو عليم بالخلق الثاني . فإذا كان تام العلم كامل القدرة . كيف يتعذر عليه أن يحيى العظام وهي رميم ؟ أكد الأمر بحجة تتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول : العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة ، والحياة في الأبدان تكون مادتها طبيعة حارة ، فقال : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة . فالذي يخرج الشيء من ضده هو الذي يفعل ما أنكره الملحد من إحياء العظام وهي رميم . ثم أكد الدلالة بالتنبيه على أن من قدر على الشيء الأعظم الأكبر فهو على ما دونه أقدر فقال تعالى : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ؟ . فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهما ، وكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقهما ، أقدر على أن يخلق عظاما صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى ، كما قال تعالى : في موضع آخر لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( غافر : 57 ) وقال تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ؟ بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( الأحقاف : 33 ) .